ابن أبي العز الحنفي
462
شرح العقيدة الطحاوية
الداعي والسائل ، وبين الإجابة والإعطاء ، وهو فرق بين العموم والخصوص ، كما اتبع ذلك بالمستغفر ، وهو نوع من السائل ، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص . وإذا علم العباد أنه قريب ، يجيب دعوة الداعي ، علموا قربه منهم ، وتمكنهم من سؤاله - : وعلموا علمه ورحمته وقدرته ، فدعوه دعاء العبادة في حال ، ودعاء المسألة في حال ، [ وجمعوا بينهما في حال ] ، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة ، وقد فسر قوله : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ غافر : 60 - بالدعاء ، الذي هو العبادة ، والدعاء الذي هو الطلب . وقوله بعد ذلك : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي غافر : 60 - يؤيد المعنى الأول . الجواب الثاني : أن إجابة دعاء السؤال أعمّ من إعطاء عين السؤال ، كما فسره النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم في « صحيحه » ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من رجل يدعو اللّه بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل له دعوته ، أو يدّخر له من الخير مثلها ، أو يصرف عنه من الشر مثلها » ، قالوا : يا رسول اللّه ، إذا نكثر ، قال : « اللّه أكثر » « 656 » . فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلا ، أو مثله من الخير مؤجلا ، أو يصرف عنه من السوء مثله . الجواب الثالث : أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب ، والسبب له شروط وموانع ، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب ، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب ، بل قد يحصل غيره . وهكذا سائر الكلمات الطيبات ، من الأذكار المأثورة المعلّق عليها جلب منافع أو دفع مضارّ ، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل ، تختلف باختلاف قوته وما يعنيها ، وقد يعارضها مانع من الموانع . ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر - : من هذا الباب . وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم
--> ( 656 ) صحيح ، ولكنه ليس في « صحيح مسلم » ، وأنما أخرجه أحمد وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ، وصححه الحاكم والذهبي وهو كما قال ، وإنما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مختصرا ، ورواه الترمذي مطولا ، إلا أنه قال في الخصلة الثالثة : « وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا » ، وهو منكر بهذا اللفظ ، ولذلك خرجته في « الضعيفة » ( 4483 ) ، وذكرت تحته ما صحّ منه كحديث أبي سعيد هذا .